ابن قيم الجوزية
81
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
الذين اتقوا والذين هم محسنون ) ( النحل : 128 ) وقوله : ( وإن الله لمع المحسنين ) ( العنكبوت : 69 ) فهذه المعية الخاصة خير وأنفع في دنياه وآخرته ممن قضى وطره ونيل شهوته على التمام من أول عمره إلى آخرته فكيف يؤثر عليها لذة منغصة منكدة في مدة يسيرة من العمر انما هي كأحلام نائم أو كظل زائل . التاسع : مشهد المغافصة والمعالجة وهو أن يخاف أن يغافصه الأجل فبأخذه الله على غرة فيحال بينه وبين ما يشتهي من لذات الآخرة فيالها من حسرة ما أمرها وما أصعبها لكن ما يعرفها إلا من جربها وفي بعض الكتب القديمة : يا من لا يأمن على نفسه طرفة عين ولا يتم له سرور يوم الحذر الحذر ! العاشر : مشهد البلاء والعافية فإن البلاء في الحقيقة ليس إلا الذنوب وعواقبها والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها فأهل البلاء هم أهل المعصية وإن عوفيت أبدانهم وأهل العافية هم أهل الطاعة وإن مرضت أبدانهم وقال بعض أهل العلم في الأثر المروى : إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية فإن أهل البلاء المبتلون بمعاصي الله والاعراض والغفلة عنه وهذا وإن كان أعظم البلاء فاللفظ يتناول أنواع المبتلين في أبدانهم وأديانهم والله أعلم . الحادي عشر : أن يعود باعث الدين ودواعيه مصارعة داعي الهوى ومقاومته على التدريج قليلاً قليلاً حتى يدرك لذة الظفر فتقوى حينئذ همته فإن من ذاق لذة شيء قويت همته في تحصيله والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة تزيد القوى التي تصدر عنها تلك الأعمال ولذلك تجد قوى الحمالين وأرباب الصنائع الشاقة تتزايد بخلاف البراز والخياط ونحوهما ومن ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه باعث الدين وقوى فيه باعث الشهوة ومتى عود نفسه مخالفة الهوى غلبه متى أراد .